الحلبي

423

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ومر به أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه يوما وهو ملقى على ظهره في الرمضاء ، وعلى ظهره تلك الصخرة ، فقال لأمية بن خلف : ألا تتقي اللّه تعالى في هذا المسكين ؟ حتى متى تعذبه ؟ قال : أنت أفسدته فأنقذه مما ترى ، قال أبو بكر : عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى : أي على دينك ، أعطيكه به ؟ قال : قبلت ، قال : هو لك ، فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه . وفي تفسير البغوي قال سعيد بن المسيب : بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه في بلال حين قال أتبيعنيه ؟ قال : نعم أبيعه بقسطاس ، يعني عبدا لأبي بكر رضي اللّه تعالى عنه ، كان صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش ، وكان مشركا يأبى الإسلام ، فاشتراه أبو بكر به ، هذا كلامه . وفي الإمتاع : لما ساوم أبو بكر أمية بن خلف في بلال ، قال أمية لأصحابه : لألعبن بأبي بكر لعبة ما لعبها أحد بأحد ، ثم تضاحك وقال له : أعطني عبدك قسطاس ، فقال أبو بكر : إن فعلت تفعل ؟ قال نعم . قال : قد فعلت ، فتضاحك ، وقال لا واللّه حتى تعطيني معه امرأته ، قال : إن فعلت تفعل ؟ قال نعم ، قال : قد فعلت ذلك ، فتضاحك وقال : لا واللّه حتى تعطيني ابنته مع امرأته ، قال : إن فعلت تفعل ؟ قال نعم ، قال : قد فعلت ذلك ، فتضاحك وقال : لا واللّه حتى تزيدني معه مائتي دينار ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه : أنت رجل لا تستحي من الكذب ، قال : لا واللات والعزى لأن أعطيتني لأفعلنّ ، فقال : هي لك ، فأخذه ، هذا كلامه . وقيل اشتراه بتسع . وقيل بخمس أواق ، أي ذهبا : أي وقيل ببردة وعشرة أواق من فضة ، وفي رواية برطل من ذهب . ويروى أن سيده قال لأبي بكر : لو أبيت إلا أوقية أي لو قلت لا أشتريه إلا بأوقية لبعناكه ، فقال : لو طلبت مائة أوقية لأخذته بها . ولما قال المشركون : إنما أعتق أبو بكر بلالا ليد كانت له عنده فيكافئه بها أنزل اللّه تعالى وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ( 1 ) [ اللّيل : الآية 1 ] السورة ، فالأتقى أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه ، والأشقى أمية بن خلف . قال الإمام فخر الدين ، أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالأتقى أبو بكر . وذهب الشيعة إلى أن المراد به عليّ رضي اللّه تعالى عنه وكرم وجهه . ويرده وصف الأتقى بقوله تعالى : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) [ الليل : الآية 19 ] لأن هذا الوصف لا يصدق على عليّ رضي اللّه تعالى عنه ، لأنه كان في تربية النبي صلى اللّه عليه وسلم أي كما تقدم ، فكان صلى اللّه عليه وسلم منعما عليه نعمة يجب عليه جزاؤها : أي نعمة دنيوية ، لأنها التي يجازى عليها ، بخلاف أبي بكر فإنه لم يكن له صلى اللّه عليه وسلم عليه نعمة دنيوية ، وإنما كان له نعمة الهداية وهي نعمة لا يجازى عليها . قال اللّه تعالى : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ